لقاءات القاهرة تكشف عمق الخلاف بين فتح وحماس.. تحفظات الحركة على شروط المصالحة تثير تساؤلات حول استعدادها لتقديم تنازلات من أجل توحيد الصف الفلسطيني!
كشفت تفاصيل اللقاءات التي جمعت قيادات حركتي فتح وحماس في العاصمة المصرية القاهرة عن استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، رغم الأجواء التي وُصفت بالإيجابية خلال الاجتماعات، وسط غياب تفاهمات حقيقية يمكن البناء عليها لإنهاء الانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات.
وبحسب ما نقلته صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر فلسطينية، فإن اللقاءات تناولت ملفات مصيرية تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير، ومستقبل قطاع غزة، وطبيعة المقاومة، والعلاقة مع إسرائيل، إلا أن النقاشات كشفت مجدداً حجم التباعد بين رؤية فتح ومتطلبات حماس.
حماس تطرح مطالبها.. لكن أين التنازلات لإنهاء الانقسام؟
خلال اللقاء الأول، طرحت حماس مجموعة من الملفات، شملت إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وقضايا الموظفين في قطاع غزة، والوظائف، وجوازات السفر، إلى جانب اعتراضاتها على تعامل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مع عناصر الحركة في الضفة الغربية.
ورغم أهمية هذه الملفات وارتباطها المباشر بحياة الفلسطينيين ومستقبلهم السياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن الوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية إذا بقي كل طرف متمسكاً بمطالبه، دون التوافق على مرجعية سياسية وأمنية واحدة؟
فإنهاء الانقسام لا يقتصر على معالجة الملفات الإدارية والوظيفية، بل يتطلب توافقاً واضحاً بشأن إدارة الأراضي الفلسطينية، والقرار السياسي، والسلاح، والعلاقة مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن عدم استمرار حالة الانقسام التي أضعفت الموقف الفلسطيني لسنوات.
ورقة محمود عباس تكشف جوهر الأزمة
في اللقاء الثاني، عرض وفد فتح ورقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي تضمنت مجموعة من الشروط للمضي في المصالحة، أبرزها إنهاء مفرزات الانقسام في غزة، والالتزام بنظام قانوني واحد وسلاح شرعي واحد، والالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين.
كما تضمنت الورقة اعتماد المقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بالحل السياسي القائم على حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، وتشكيل حكومة تكنوقراط بقرار من الرئيس عباس، تتولى مهامها في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، على أن تكون المفاوضات بشأن اتفاق سلام شامل من مسؤولية منظمة التحرير.
وهنا تتضح طبيعة الخلاف: فتح تريد مرجعية سياسية موحدة، وسلطة واحدة، وقراراً أمنياً لا تتعدد فيه مراكز القوة، بينما تتحفظ حماس على أجزاء أساسية من هذه الرؤية.
ثلاث نقاط خلافية تضع حماس أمام اختبار سياسي
وفقاً للمصادر التي تحدثت للصحيفة، أبدت حماس تحفظات على ثلاثة بنود رئيسية في ورقة عباس.
أولها الالتزامات السياسية المرتبطة ببرنامج منظمة التحرير، خصوصاً ما يتعلق بالاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني معها. وثانيها صيغة إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، دون تبني حل الدولتين بصيغته التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل دولةً ثانية. أما النقطة الثالثة فتتعلق بحصر المقاومة في المسار السلمي، إذ طالبت الحركة باستبدال المصطلح بصيغة لا تستبعد أشكال المقاومة الأخرى.
هذه التحفظات تفتح باباً واسعاً للتساؤلات بشأن استعداد حماس للتوافق على برنامج سياسي مشترك، خصوصاً أن المصالحة لا يمكن أن تقوم على تفاهمات عامة تتجاوز القضايا الأساسية، ثم تعود الخلافات نفسها لتفجّرها عند أول اختبار عملي.
ومن منظور منتقدي موقف الحركة، فإن التمسك برفض بنود تتعلق بوحدة القرار السياسي والأمني قد يعرقل الوصول إلى صيغة وطنية مشتركة، ويُبقي الفلسطينيين أمام واقع تتعدد فيه المرجعيات والقرارات، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى توحيد الصفوف.
لكن في المقابل، فإن تقييم مسؤولية التعطيل بصورة قاطعة يتطلب النظر أيضاً إلى مواقف فتح وشروطها، ومدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، بدلاً من تحميل طرف واحد كامل المسؤولية عن تعثر المصالحة.
مصر تحذّر من تكرار الفشل
المصادر الفلسطينية أشارت إلى أن المسؤولين المصريين أكدوا للفصائل أن القاهرة مستعدة لاستضافة الحوار الوطني الشامل، لكن الدعوة إليه ينبغي أن تصدر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
كما شدد الجانب المصري، وفقاً للمصادر، على ضرورة أن تمهد اللقاءات الثنائية الطريق أمام التوافق على القضايا الأساسية قبل عقد الحوار الشامل، حتى لا يتكرر الفشل مجدداً أمام أنظار الفلسطينيين والدول العربية والإسلامية والأطراف الدولية.
وهذا الموقف يعكس إدراكاً بأن عقد اجتماعات جديدة أو إصدار بيانات إيجابية لن يكون كافياً ما لم تُحسم الخلافات المتعلقة بالبرنامج السياسي، والمرجعية الوطنية، وإدارة قطاع غزة، وطبيعة السلاح والقرار الأمني.
المصالحة ليست شعارات.. بل قرارات وتنازلات
المشكلة الأساسية لا تكمن في اختلاف وجهات النظر بحد ذاته، فالتعدد السياسي أمر طبيعي، بل في عدم القدرة على تحويل هذا الاختلاف إلى اتفاق عملي يضمن وحدة المؤسسات والقرار الوطني.
فإذا كانت حماس تريد المشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، فإن ذلك يضع أمامها سؤالاً أساسياً بشأن طبيعة البرنامج الوطني الذي يمكن أن تتوافق عليه مع بقية الفصائل. وإذا كانت فتح تتمسك بشروطها، فعليها أيضاً أن توضح كيف يمكن معالجة الخلافات دون إغلاق أبواب التوافق أمام القوى الفلسطينية الأخرى.
وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف على مصطلح «المقاومة» أو على بند سياسي في ورقة تفاهمات، بل صراعاً أعمق حول شكل النظام الفلسطيني، ومن يمتلك القرار، وكيف ستُدار المرحلة المقبلة.
فهل تتحول لقاءات القاهرة إلى بداية حقيقية لإنهاء الانقسام، أم تعيد تحفظات حماس وتمسك فتح بشروطها إنتاج الأزمة نفسها؟
يبقى الاختبار الحقيقي أمام الطرفين هو الانتقال من تبادل المطالب إلى تقديم تنازلات واضحة، تضع المصلحة الوطنية الفلسطينية فوق الحسابات التنظيمية، وتمنح الفلسطينيين فرصة لبناء مرجعية موحدة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والميدانية المقبلة.
